• 2012-05-17

    بدعوة من جمعية الاخوة للعمل الثقافي الاجتماعي الفلسطينيون يناقشون تحت عنوان الذاكرة والمصالحة في التجربة اللبنانية و على قاعدة المقولة التالية ، اخطأنا و اخطأتم دفعنا الثمن و دفعتم .

    تفتح القلوب ننقي الذاكرة ليسى لننسى ولكن لنتصالح مع انفسنا

    جرى الحوار الذي نظمته الجمعية في مقرها في مخيم برج البراجنة و بدعم من السفارة النرويجية في بيروت و قد علق الكاتب و الاعلامي صقدر ابو فخر على اعمال اليوم الحواري على الشكل التالي:

     

    قلما شهد مخيم برج البراجنة مناسبة حوارية حامية كالتي شهدها أمس، في الندوة التي عقدتها «جمعية الأخوة للعمل الثقافي الاجتماعي» عن «الذاكرة والمصالحة في التجربة اللبنانية»، وحضرها حشد من الكتّاب والمثقفين والباحثين والناشطين الاجتماعيين والسياسيين. وقد أضفى حضور جوزف أبو خليل إلى هذه الندوة معنى رمزياً لافتاً، في الوقت الذي استقبله جميع الحاضرين، لبنانيين وفلسطينيين، بترحاب خاص. كذلك كان لحضور الوزراء طارق متري وحسن منيمنة وطراد حمادة، وعزام الأحمد، أثر في إثارة نقاشات متشعبة وسجالات مختلفة، الأمر الذي أشار إلى مدى الحاجة إلى الحوار الجدي والمعمق بين اللبنانيين والفلسطينيين في شأن القضايا الحيوية التي طالما اختلف الجانبان عليها، مثل التوطين والسلاح والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية للاجئين في لبنان. ولعل أهم ايجابية في هذا اللقاء كانت أن الجميع بات مقتنعاً بضرورة الحوار واكتشاف هواجس الطرف الآخر وأوجاعه وتطلعاته. وبرهنت هذه الندوة كم أن المسافة مازالت غير قريبة في مسار التفهم والتفاهم بين اللبنانيين أنفسهم، وبين الفلسطينيين أيضاً، فكيف بالحري بين اللبنانيين والفلسطينيين. غير أن ما هو أبعد من الآثار الايجابية الكثيرة التي خلّفتها هذه الندوة، هو إثارة النقاش في شأن بعض القضايا البالغة الأهمية التي أثيرت، مثل الملاحظة التي أبداها متري عن أن الجيل اللبناني الشاب بات موقفه أكثر ايجابية من القضية الفلسطينية، أو أقل حدة من جيل الحرب. بينما قدّم منيمنة رأياً آخر، هو أن الجيل الجديد ربما بات أقل اهتماماً بالقضية الفلسطينية.
    افتتح الندوة رئيس الجمعية أبو فادي راجي، وشرح لماذا جرى اختيار «المصارحة والمصالحة» عنواناً للقاء، وتحدث عن أهمية طي صفحات الحرب وفتح صفحات جديدة للسلام والأمن في لبنان، والعيش اللائق للفلسطينيين فيه. ثم بدأت اعمال الجلسة الأولى التي أدارها أنيس محسن وشارك فيها كل من متري، وسرحان سرحان (الحزب التقدمي)، وتوفيق مهنا (الحزب القومي السوري)، وطراد حمادة، والأحمد، وممثلة لسفارة النرويج في لبنان.
    تحدث متري عن قسطنطين زريق عندما كتب «معنى النكبة» بعد سنة 1948، ثم كتب «معنى النكبة مجدداً بعد سنة 1967، قائلاً، إن استعادة ذكرى النكبة اليوم يعني أن لا أفق لأي حل للقضية الفلسطينية. ورأى أن العالم يتغير موقفه من فلسطين التي صارت قضية أخلاقية عالمية، والتراجع السياسي للقضية يقابله تنامي الموقف الأخلاقي لدى الأجيال الجديدة في أوروبا وأميركا، ولا بد ان يؤدي هذا التغير الى نتائج ايجابية. أضاف: إن الذاكرة اللبنانية تلعب لعبة خبيثة، فعند الأزمات يستعيد اللبنانيون بعضاً من الذاكرة لتعبئة الأنصار وإدانة الخصوم. ما يعني أننا نسير في منزلقين: النسيان، والاستخدام الانتقائي للذاكرة.
    وتحدث سرحان عن النظام اللبناني، فانتقد ميثاق 1943 الذي بني على المحاصصة الطائفية، ورأى أن حرب 1975 كانت نتيجة لما راكمه ميثاق 1943، ودان الممارسات الدموية لجميع القوى السياسية في لبنان، وذكّر بمحطات مهمة في الحياة السياسية والمصالحات مثل مصالحة الجبل، وقال إن كذبة التوطين كانت احدى معوقات المصالحة اللبنانيةـ اللبنانية.
    أما مهنا فقال إن الذاكرة اللبنانية تنوء بالحروب والمصالحات معاً منذ عهد العثمانيين، وكل فئة لبنانية تعزو سبب المشكلات والتوترات إلى الآخر، والآخر هنا هو الخارج، بينما المشكلة الجوهرية التي ما فتئت تولد الحروب بين اللبنانيين، أو تستدرج الآخرين إليها، هي الخلافات في شأن الهوية والانتماء والمواطنة والدولة العلمانية. وانتقد موقف من يعتقد ان الطائفية هي مظلمة أمان له. وذكّر بأن الحروب اللبنانية سابقة على الوجود الفلسطيني في لبنان، وان الصهيونية كان لها باع طويل في الحروب الداخلية اللبنانية.
    وسأل حمادة: ماذا يجب ان نتذكر، وماذا يجب ان ننسى؟ وقال: يجب ان نتذكر ان لبنان وفلسطين هما واحد، ويجب ان نتذكر ان احتلال فلسطين ليس احتلالاً لفلسطين وحدها بل انه يطال جميع الدول المحيطة بفلسطين، ويجب ان نتذكر ان وجود الفلسطينيين في لبنان سببه الاحتلال.
    وأشار الأحمد إلى ان مدينته جنين كانت في احدى الحقب تابعة لولاية بيروت، وحتى اليوم مازالت بعض قضايا العقارات لا تحل إلا بالعودة إلى سجلات الطابو في لبنان.
    وتحدثت ممثلة سفارة النرويج عن اهتمام بلادها بتحسين العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، وأكدت أن أحوال اللاجئين مازالت سيئة بعد 64 عاماً على اللجوء. لذلك فإن بلادها تشجع مقاربة العلاقات بين اللبنانيين والفلسطينيين من الزاوية القانونية.
    وأعاد الزميل صقر أبو فخر، في الجلسة الثانية، التذكير بلقاء المصالحة والمصارحة في بيت الكتائب في الصيفي الذي كان لأبو خليل دور مهم في ترتيبه.
    أما أبو خليل فتكلم في الاتجاه المعاكس. فاعتبر أن التاريخ المدرسي يدوّر الزوايا، والأكاذيب والاتهامات التي تنتشر عادة في الحروب، تظل في الذاكرة إلى آماد طويلة، مثل مسؤولية حزب الكتائب عن مجزرة عين الرمانة في سنة 1975. وقال: لا بد من تنقية الذاكرة وصولاً إلى المصالحة. وتخوف من أن تمضي 64 سنة إضافية والفلسطينيون لا يتمكنون من تنفيذ حق العودة. وهذا الاحتمال يلقي بثقله على الفلسطينيين واللبنانيين معاً. أضاف: إن مشروع التوطين قائم ومطروح منذ سنة 1948، وهو موجود ضمناً في القرار 194، أما الحل التاريخي فهو الدولة الديموقراطية الواحدة في فلسطين أو الدولة ثنائية القومية.
    وتحدث منيمنة عن أن المدخل لأي مصالحة هو المصارحة أي النقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء. وقال إن الحرب اللبنانية أدت إلى إضعاف مكانة القضية الفلسطينية في صفوف اللبنانيين. وأشار إلى «إعلان بيروت» في سنة 2008 الذي اعتذر فيه الفلسطينيون عن الأخطاء التي وقعوا فيها في لبنان، ورأى فيه ايجابية ملحوظة، لأن لبنانيين آخرين بادروا إلى إصدار وثيقة اعتذروا فيها أيضاً عن الأخطاء التي ساهم فيها لبنانيون نحو الفلسطينيين. وكان يمكن أن يكون ذلك مدخلاً إيجابياً لعلاقة الشعبين، لكن ذلك تناثر في البازار السياسي اللبناني. وانتقد حسن قبلان (أمل) التذكر الدائم ببوسطة عين الرمانة، لأن حروباً كثيرة جرت بعدها. وأشار إلى ضرورة إعادة تكوين قلب لبيروت وشرايين لها، لأن سوق خضار واحدة في قلب بيروت تشد إليها اللبنانيين من مناطقهم المختلفة، وتخلق مصالح مشتركة، وحيزاً للتفاعل، هذه السوق، على سبيل المثال، يمكنها أن تحقق المصالحة أكثر من القوى السياسية كلها التي تتحدث، ليل نهار، عن المصالحة.
    أما نقيب الممثلين اللبنانيين جان قسيس فدعا إلى منح الفلسطينيين حقوقهم كي يتمكنوا من أن يعيشوا بكرامة حتى تحقيق أهدافهم في العودة إلى وطنهم.
    وختم الندوة علي بركة الذي اعتبر أن ما يعني الفلسطينيين في هذا البلد هو قضيتهم، ويجب أن يتفق الفلسطينيون واللبنانيون معاً على تعريف القضية التي هي في نهاية المطاف، قضية سياسية لا قضية إنسانية، وأن المسؤول عن نشوء هذه القضية هو إسرائيل وبريطانيا والغرب. ورأى أن حل قضية اللاجئين لا يمكن ان يتم إلا بالعودة إلى الديار الأصلية.